عبد الباقي مفتاح

19

المفاتيح الوجودية والقرآنية لكتاب فصوص الحكم لابن العربي

فصوص المراتب - أي الكمل - بمن أوتي جوامع الكلم الإنسان الفرد الكامل سيدنا محمد صلى اللّه عليه وعلى آله وسلم . ثم إن كل كلمة من تلك الكلمات العليا لها معنى هو عبارة عن اسم إلهي ، فنسب الشيخ حكمة كل كلمة إلى أحد الأسماء الحسنى له مناسبة خاصة مع نبي الكلمة ومع المرتبة الوجودية التي مدارها حول ذلك النبي الكامل . ومن هنا نفهم لماذا لم يجعل الشيخ للنبيين اليسع وذي الكفل بابا رغم ذكرهما في القرآن مع الأنبياء مرتين ، بينما جعل بابا لمن لم يرد ذكرهما في القرآن وهما النبيان شيث بن آدم وخالد بن سنان ، كما خصص بابا للحكيم لقمان - هو ليس بنبي - ، لكنه من أقطاب رجال نفس الرحمان حسبما ذكره الشيخ في الباب 15 من الفتوحات . وسبب هذا - كما سنراه في التفصيل اللاحق - هو أن أنسب الأنبياء إلى المرتبة الثانية من مراتب نفس الرحمان ، وهي مرتبة اللّوح المحفوظ ، هو شيث عليه السلام ، لأن المرتبة الأولى للقلم الأعلى أي العقل الأول المناسب للمثل الأعلى الإنسان الأول : آدم عليه السلام ، لاستمدادهما معا من الاسم : البديع . وكما انبعث اللّوح من القلم ، انبعث شيث من آدم ، وكان المتوجه على إيجاد اللوح وإمداد شيث الاسم : الباعث . وكذلك بالنسبة للقمان فإن مقامه هو الأنسب للمرتبة الثالثة والعشرين المخصوصة بالنبات كما يظهر من قوله لابنه : يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ( 16 ) الآية 16 من سورة لقمان - أي أن الاسم الإلهي المتوجه لإيجاد النبات هو نفس الاسم الحاكم على فص لقمان وهو الاسم : الرزاق الذي رزق لقمان الحكمة وحسن الذكر في القرآن الكريم مقرونا بحبة الخردل التي هي من أصغر مظاهر الرزق . . . وكذلك فان أنسب الأنبياء إلى المرتبة السادسة والعشرين المخصوصة بالجن ، ليس هو اليسع ولا ذو الكفل ، بل هو خالد صاحب النبوة البرزخية كما ذكره الشيخ في فصه ، ويسمي الشيخ الجن أحيانا بالأرواح البرزخية ، وأصلهم من النار . ولخالد قصة معروفة في إطفاء النار التي ظهرت في بلاد قومه . . . والاسم الحاكم على هذه المرتبة وهذا الفص هو : اللطيف . فان قيل من هو الكامل صاحب المرتبة الثامنة والعشرين الأخيرة المتوجه على إيجادها الاسم : رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ ( غافر ، 15 ) والتي لها الفصل 38 من الباب 198 ، حيث يقول الشيخ : ( اعلم أن المراتب كلها إلهية بالأصالة وظهرت أحكامها في الكون وأعلى مرتبة إلهية